الجمعة، 22 مايو 2015

ما وضح واستبان في فضائل شهر شعبان



ما وضح واستبان في فضائل شهر شعبان
الحمد لله الذي جعل لعباده في بعض ما خلق و شرع نفحات ، ثم الصّلاة والسّلام على نبيّنا محمّد القائل ما صحّحه الحفّاظ الأثبات : «افْعَلُوا الْخَيْرَ دَهْرَكُمْ، وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللهِ، فَإِنَّ لِلَّهِ نَفَحَاتٍ مِنْ رَحْمَتِهِ يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَسَلُوا اللهَ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِكُمْ، وَأَنْ يُؤَمِّنَ رَوْعَاتِكُمْ»
رواه الطبراني في " الكبير " ( 720) وصححه الألباني.
ألا وإنه قد أ ظلّ المسلمين شهر عظيم مبارك؛هو شهر شعبان، شهر العطايا والهبات،شهر الشّعابين والشّعبانات.
 قال أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الشَّيْبَانِيُّ ثَعْلَبٌ:  كَانَ شَعْبَانُ شَهْرًا تَتَشَعَّبُ فِيهِ الْقَبَائِلُ، أَيْ: تَتَفَرَّقُ لِقَصْدِ الْمُلُوكِ وَالْتِمَاسِ الْعَطِيَّةِ.  
وقد جاء في ذلك أثر موضوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « تدرون لم سمي شعبان؟ لأنه يشعب فيه خير كثير.» . رواه الديلمي (2/ 1/ 38)
وأفضل ما يحصل به المسلم الخير في هذا الشهر المبارك، ويتعرض به لنفحات الله عزّ وجلّ  الصّيامُ ، وصيام شعبان من أفضل الصيام بل قال ابن رجب الحنبلي: بل هو أفضل الصيام بعد رمضان .
عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الصَّوْمِ أَفْضَلُ بَعْدَ رَمَضَانَ؟ فَقَالَ: «شَعْبَانُ لِتَعْظِيمِ رَمَضَانَ» رواه الترمذي وضعفه الألباني
ولعظم فضل الصّيام في هذا الشّهر المبارك كان النّبي صلى الله عليه وسلم يصومه كلّه إلا قليلا
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا» رواه مسلم


ولما رآى أسامة النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك قال له : يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ، قَالَ: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» رواه النّسائي وصححه الألباني
فيستحب للمسلم أن يصوم شعبان من أوله فإذا فرط في غُرره فلا يفرط في سُرره.
عن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لَهُ - أَوْ لِآخَرَ -: «أَصُمْتَ مِنْ سُرَرِشَعْبَانَ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَإِذَا أَفْطَرْتَ، فَصُمْ يَوْمَيْنِ» رواه مسلم
وسُرَّةُ الشَّهْرِ: وَسَطُهُ  وهِيَ أَيَّامُ الْبِيضِ وَهِيَ الثَّالِث عَشَرَ وَالرَّابِع عَشَرَ وَالْخَامِس عَشَرَ منه،ومن كل شهر،

 فإذا انتصف شعبان أمسك غير المعتاد على الصّيام عن الصيام لنهي النّبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا كَانَ النِّصْفُ مِنْ شَعْبَانَ، فَأَمْسِكُوا عَنِ الصَّوْمِ حَتَّى يَكُونَ رَمَضَانُ» رواه أحمد وصححه الألباني
فإذا كان لأحد عادة في صيام شعبان كلِّه فليصمه كلَّه  
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُتَعَجَّلَ شَهْرُ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صِيَامًا فَيَأْتِي ذَلِكَ عَلَى صِيَامِهِ» رواه أحمد وصححه الألباني

وليلة النّصف من شعبان لَيْلَةٌ مُبَارَكَةٌ عَظِيمَةُ الْقَدْرِ عِنْدَ اللَّهِ عز وجل. المدخل لابن الحاج
عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَنْزِلُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَغْفِرُ لِكُلِّ نَفْسٍ؛ إِلَّا إِنْسَانٍ فِي قَلْبِهِ شَحْنَاءٌ، أَوْ مُشْرِكٍ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» . رواه ابن أبي عاصم في" السنة" وغيره وصححه الألباني، وفي رواية للبيهقي قال:«إذا كان ليلة النصف من شعبان اطلع الله إلى خلقه فيغفر للمؤمنين ويملي للكافرين ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى يدعوه»

وقد كان بعض السلف -رضي الله عنهم- يقوم هذه الليلة
وأنكر ذلك كثير منهم.
عن زيد بن أسلم؛ قال: " ما أدركنا أحدا من مشيختنا ولا فقهائنا يلتفتون إلى النصف من شعبان، ولا يلتفتون إلى حديث مكحول، ولا يرون لها فضلا على ما سواها ".رواه ابن وضاح في " في البدع والنهي عنها"
وعَنْ أَيُّوبَ قَالَ: قِيلَ لِابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: إِنَّ زِيَادًا الْمِنْقَرِيَّ، وَكَانَ قَاصًّا يَقُولُ: إِنَّ أَجْرَ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ مِثْلُ أَجْرِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: «لَوْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ ذَلِكَ وَفِي يَدِي عَصًا لَضَرَبْتُهُ بِهَا» رواه عبد الرزاق في "المصنف"
قال ابن تيمية:  إذَا صَلَّى الْإِنْسَانُ لَيْلَةَ النِّصْفِ وَحْدَهُ، أَوْ فِي جَمَاعَةٍ خَاصَّةٍ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ طَوَائِفُ مِنْ السَّلَفِ، فَهُوَ أَحْسَنُ.
وَأَمَّا الِاجْتِمَاعُ فِي الْمَسَاجِدِ عَلَى صَلَاةٍ مُقَدَّرَةٍ. فَهَذَا بِدْعَةٌ، لَمْ يَسْتَحِبَّهَا أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ.وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.



  





الثلاثاء، 12 مايو 2015

البَرَكَةُ



البَرَكَةُ
لم أكن أعرف معناها عندما كانت أمي أو أبي يقولها لمعلم القرآن في القرية أو الشّيخ الكبير أو العجوز الكبيرة عندما كانوا يزورونا، لكنّي كنت أشعر أنها عبارة تدلّ على التّقدير والاحترام والتّبجيل وبهذا المعنى رسخت كلمة البركة أو
( البراكة) كما كان أهل القرية يلفظونها في عقلي وقلبي،ولم تكن هذه الكلمة تقال في قريتي  إلا لأهل الفضل والخير والصّلاح شأنها في ذلك شأن كلمة (سي) والتي كانت لا تقال إلا لمن حفظ شيئا من كتاب الله جل وعلا.
 ثم هذه الكلمة؛أعني البركة، أو (البراكة)،ومثلها كلمة (سي) كانت من ألفاظ الكبار،ولا يسمح للصّغار بقولهما ففي ذلك الزّمن كان النّاس بالنّسبة لي ولأقراني إما عمّ أو عمّة أو خال أو خالة وأمّا معلّم القرآن فكنّا نقول له:( سيدي) ولم يكن يجوز لنا أن ننادي من يكبرنا سنّا باسمه مطلقا.
هكذا كنّا وهكذا كان معنى البركة  
وبعد أن كبرت ونلت شيئا من العلم عرفت أن ذلك المعنى الذي كان في مخيلتي عن البركة هو تقريبا نفسه المعنى الشَّرعي لهذه الكلمة الرّاقية،فقد صحّ عن النَّبي صلَّى الله عليه وسلم أنه قال: " البركة مع أكابركم ".أخرجه ابن حبان (1912) وغيره وصححه الألباني   
والبركة معناها: الخير والزِّيادة وقد جاء في بعض طرق هذا الحديث لفظ:" الخير"   مكان" البركة "، وفي التّنزيل قال الله جل وعلا عن عيسى عليه السلام: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ قال مجاهد: معلمًا للخير حيثما كنت.   
والبركة في الطعام الزيادة فيه.
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن قَوْلُ الْقَائِلِ: نَحْنُ فِي بَرَكَةِ فُلَانٍ أَوْ مِنْ وَقْتِ حُلُولِهِ عِنْدَنَا حَلَّتْ الْبَرَكَةُ. فَقال: هَذَا الْكَلَامُ صَحِيحٌ بِاعْتِبَارِ بَاطِلٌ بِاعْتِبَارِ.
 فَأَمَّا الصَّحِيحُ: فَأَنْ يُرَادَ بِهِ أَنَّهُ هَدَانَا وَعَلَّمَنَا وَأَمَرَنَا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَانَا عَنْ الْمُنْكَرِ فَبِبَرَكَةِ اتِّبَاعِهِ وَطَاعَتِهِ حَصَلَ لَنَا مِنْ الْخَيْرِ مَا حَصَلَ فَهَذَا كَلَامٌ صَحِيحٌ. كَمَا كَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَرَكَتِهِ لَمَّا آمَنُوا بِهِ وَأَطَاعُوهُ فَبِبَرَكَةِ ذَلِكَ حَصَلَ لَهُمْ سَعَادَةُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بَلْ كُلُّ مُؤْمِنٍ آمَنَ بِالرَّسُولِ وَأَطَاعَهُ حَصَلَ لَهُ مِنْ بَرَكَةِ الرَّسُولِ بِسَبَبِ إيمَانِهِ وَطَاعَتِهِ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ. وَ أَيْضًا إذَا أُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّهُ بِبَرَكَةِ دُعَائِهِ وَصَلَاحِهِ دَفَعَ اللَّهُ الشَّرَّ وَحَصَلَ لَنَا رِزْقٌ وَنَصْرٌ فَهَذَا حَقٌّ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :« وَهَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إلَّا بِضُعَفَائِكُمْ» بِدُعَائِهِمْ وَصَلَاتِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ؟ وَقَدْ يَدْفَعُ الْعَذَابَ عَنْ الْكُفَّارِ وَالْفُجَّارِ لِئَلَّا يُصِيبَ مِنْ بَيْنِهِمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ مِمَّنْ لَا يَسْتَحِقُّ الْعَذَابَ. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ - إلَى قَوْلِهِ - ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًافَلَوْلَا الضُّعَفَاءُ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ كَانُوا بِمَكَّةَ بَيْنَ ظهراني الْكُفَّارِ عَذَّبَ اللَّهُ الْكُفَّارَ: وَكَذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْلَا مَا فِي الْبُيُوتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالذَّرَارِيِّ لَأَمَرْت بِالصَّلَاةِ فَتُقَامُ ثُمَّ أَنْطَلِقُ مَعِي بِرِجَالِ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ مَعَنَا فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ »،وَكَذَلِكَ تَرَكَ رَجْمَ الْحَامِلِ حَتَّى تَضَعَ جَنِينَهَا. وَقَدْ قَالَ الْمَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُفَبَرَكَاتُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ بِاعْتِبَارِ نَفْعِهِمْ لِلْخَلْقِ بِدُعَائِهِمْ إلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَبِدُعَائِهِمْ لِلْخَلْقِ وَبِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ مِنْ الرَّحْمَةِ وَيَدْفَعُ مِنْ الْعَذَابِ بِسَبَبِهِمْ حَقٌّ مَوْجُودٌ فَمَنْ أَرَادَ بِالْبَرَكَةِ هَذَا وَكَانَ صَادِقًا فَقَوْلُهُ حَقٌّ. وَأَمَّا " الْمَعْنَى الْبَاطِلُ " فَمِثْلُ أَنْ يُرِيدَ الْإِشْرَاكَ بِالْخَلْقِ: مِثْلُ أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ مَقْبُورٌ بِمَكَانِ فَيَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ يَتَوَلَّاهُمْ لِأَجْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَقُومُوا بِطَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهَذَا جَهْلٌ. انتهى كلامه رحمه الله
واليوم وأنا أذكر تلك الكلمة الطيّبة الرّاقية ( البركة) أو(البراكة) ومثلها كلمة (سي) ودلالاتهما عند جدتي وأهل قريتي مع جهلهم وقلة علمهم، أنظر إلى البقية الباقية من النّاس ممن بقي يقولها بازدراء واحتقار؛ ذلك أن أكثرهم صار يصف بالبركة من وصفه الله أو نبيه صلى الله عليه وسلم بالفسق والفجور كما أصبحت كلمة (سي) تضاف لكل من جمع المال وعدّده يحسب أنّ ماله أخلده، وأما معلم القرآن الذي كنّا نناديه سيدي ترى اليوم كثيرا ممن يعلمهم ينادونه باسمه  
 ولكني أومن بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم:«لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك». رواه مسلم
وصلَّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه

الأحد، 26 أبريل 2015

يانَعَايَا الْعَرَبِ!!



  يانَعَايَا الْعَرَبِ!!(1)
الحمد لله رب العالمين والصّلاة والسلام على خير الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه؛أبي بكر،وعمر،وعثمان وعلي،والباقين وعلى التابعين،ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:
يقول الله جل وعلا:  
﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (58)
قال ابن كثير - رحمه الله- : هَذَا إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِأَنَّهُ قَدْ حتَمَ وَقَضَى بِمَا قَدْ كَتَبَهُ عِنْدَهُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ: أَنَّهُ مَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا سَيُهْلِكُهَا، بِأَنْ يُبِيدَ أَهْلَهَا جَمِيعَهُمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ {عَذَابًا شَدِيدًا} إِمَّا بِقَتْلٍ أَوِ ابْتِلَاءٍ بِمَا يَشَاءُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ وَخَطَايَاهُمْ، كَمَا قَالَ عَنِ الْأُمَمِ الْمَاضِينَ:﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ [هُودٍ: 101] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (8) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (9) [الطلاق: 7، 8] انتهى.
وبعض القرى والأمم قد أخبرنا الله جلّ في علاه كيف أهلكها أو عذّبها، وأكثر سورة ذكر الله فيه مصائر الأمم؛ سورة الأعراف ،وسورة هود عليه السلام.
وقد انتشر على صفحات التواصل الاجتماعي سلسلة مصورة بعنوان: "هلكة العرب" وكأن صاحب السلسلة  أخذ العنوان من قول النّبي صلى الله عليه وسلم: «يُبَايَعُ لِرَجُلٍ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، وَلَنْ يَسْتَحِلَّ الْبَيْتَ إِلَّا أَهْلُهُ، فَإِذَا اسْتَحَلُّوهُ فَلَا تَسْأَلْ عَنْ هَلَكَةِ الْعَرَبِ.» رواه أحمد وصححه الألباني
إلا أن هذه السلسلة قد تضمنت بعض الأحاديث الضّعيفة كما أنّ صاحبها أهمل ذكر السّبب الحقيقي الذي سيؤدي إلى هلكة العرب مع خلط واضح في ترتيب الأثار والألة.
"والصحيح الذي لا ريب فيه أن سبب هلاك العرب هو نسيانهم ما ذُكِّرُوا به في كتاب ربهم وسنّة نبيهم صلى الله عليه وسلم واستحلالهم الحرام وارتكابهم المعاصي والآثام حتى إذا فشى فيهم ذلك وأُشربته قلوبهم أغرى الله بينهم العدواة والبغضاء وجعل بأسهم بينهم شديد" ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا قال سبحانه:﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ
وبداية هلكة العرب - والله أعلم- تكون بتكالبهم على الدّنيا
قال صلى الله عليه وسلم: « والله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم»
رواه أحمد وغيره وصححه الألباني
ومما يكون في هذه المرحلة ثقل الطاعات على العرب ومشقتها عليهم حتى إن الواحد منهم ليصوم في سبيل الله فيرى الشيء يشتهيه فلا يملك نفسه حتى يواقعه  فيفطر
عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «يَا نَعَايَا الْعَرَبِ، يَا نَعَايَا الْعَرَبِ - ثَلَاثًا - إِنَّ  أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الرِّيَاءَ وَالشَّهْوَةَ الْخَفِيَّةَ» . رواه البيهقي في الزهد وغيره وصححه الألباني وفي حديث  لسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أنه قال للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: وَمَا الشَّهْوَةُ الْخَفِيَّةُ؟ قَالَ: «يُصْبِحُ الرَّجُلُ صَائِمًا، فَتُعْرَضُ لَهُ شَهْوَةٌ مِنْ شَهَوَاتِهِ فَيُوَافِقُهَا، وَيَدَعُ الصَّوْمَ» رواه أحمد     
قَالَ البيهقي: النَّعَايَا جَمْعُ النَّعِيِّ وَهُوَ الرَّجُلُ الْهَالِكُ

فإذا تنافس العرب على الدّنيا ظهر بينهم الحسد والعداوة والبغضاء فيكون ذلك سببا للتقاتل بينهم:
عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ صَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ كَالْمُوَدِّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ، فَقَالَ: «إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، وَإِنَّ عَرْضَهُ كَمَا بَيْنَ أَيْلَةَ إِلَى الْجُحْفَةِ، إِنِّي لَسْتُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا، وَتَقْتَتِلُوا، فَتَهْلِكُوا، كَمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» قَالَ عُقْبَةُ: «فَكَانَتْ آخِرَ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ» رواه مسلم
وقد أخبر النّبي صلى الله عليه وسلّم العرب بهذا التقاتل الذي سيكون بينهم.
 عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:    « إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ زَوَى لِي الْأَرْضَ حَتَّى رَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ مُلْكَ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَإِنِّي أُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الْأَبْيَضَ وَالْأَحْمَرَ، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ لَا يُهْلِكُ أُمَّتِي بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ، وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا فَيُهْلِكَهُمْ بِعَامَّةٍ، وَأَنْ لَا يُلْبِسَهُمْ شِيَعًا، وَلَا يُذِيقَ بَعْضَهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ، وَقَالَ: «يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً، فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ، وَإِنِّي قَدْ أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ، وَلَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِمَّنْ سِوَاهُمْ فَيُهْلِكُوهُمْ بِعَامَّةٍ، حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَبَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا، وَبَعْضُهُمْ يَسْبِي بَعْضًا» رواه أحمد وصححه الألباني
ثم لا يزال العرب يقتل بعضهم بعضا حتى لا يبقى منهم إلا القليل،وذلك هلاكهم، وعليهم يخرج الدجال
عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ جَهْدًا شَدِيدًا يَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ الدَّجَّالِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَيْنَ الْعَرَبُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: " يَا عَائِشَةُ، الْعَرَبُ يَوْمَئِذٍ قَلِيلٌ " رواه أحمد وغيره وصححه الألباني


............................................................................
(1) والعرب هم: أبناء سام بن نوح، قال في اللسان: واخْتَلَفَ الناسُ فِي العَرَبِ لمَ سُمُّوا عَرَباً فَقَالَ بعضُهم: أَوَّلُ مَنْ أَنطق اللَّهُ لسانَه بِلُغَةِ الْعَرَبِ يَعْرُبُ بنْ قَحْطانَ، وَهُوَ أَبو اليَمن كُلِّهِمْ، وهمْ العَرَبُ الْعَارِبَةُ، ونَشأَ إِسْمَاعِيلُ بنُ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، مَعَهُمْ فتَكلَّم بِلِسَانِهِمْ، فَهُوَ وأَولاده: العَرَبُ المُستَعربة، وَقِيلَ: إِن أَولاد إسماعيل نَشَؤُوا بعَرَبَة، وَهِيَ مِنْ تِهامة، فنُسِبُوا إِلى بَلَدِهم. وَرُوِيَ
عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنه قَالَ: خمسةُ أَنبياءَ مِنَ العَرب، وَهُمْ: مُحَمَّدٌ، وَإِسْمَاعِيلُ، وَشُعَيْبٌ، وَصَالِحٌ، وَهُودٌ، صَلَوَاتُ اللَّه عَلَيْهِمْ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لسانَ الْعَرَبِ قَدِيمٌ. وَهَؤُلَاءِ الأَنبياء كُلُّهُمْ كَانُوا يَسْكُنُونَ بلادَ العَرَب، فَكَانَ شُعَيْبٌ وقومُه بأَرْضِ مَدْيَنَ، وَكَانَ صَالِحٌ وقومُه بأَرْضِ ثَمُودَ يَنْزِلُونَ بِنَاحِيَةِ الحِجْر، وَكَانَ هُودٌ وقومُه عادٌ يَنْزِلُونَ الأَحْقافَ مِنْ رِمالِ اليَمن، وَكَانُوا أَهل عَمَدٍ، وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَالنَّبِيُّ المصطفَى مُحَمَّدٌ، صَلَّى اللَّه عليهم وَسَلَّمَ، مِنْ سُكَّانِ الحَرم. وكلُّ مَن سَكَنَ بلادَ الْعَرَبِ وجَزيرَتَها، ونَطَقَ بلسانِ أَهلها، فَهُمْ عَرَبٌ يَمَنُهم ومَعَدُّهم. قَالَ الأَزهري: والأَقرب عِنْدِي أَنهم سُمُّوا عَرَباً بِاسْمِ بَلَدِهِمُ الْعَرَبَاتِ. وَقَالَ إسحاقُ بْنُ الفَرَج: عَرَبةُ باحَةُ العَرب، وباحةُ دارِ أَبي الفَصاحة، إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَفِيهَا يَقُولُ قَائِلُهُمْ:
وعَرْبةُ أَرضٌ مَا يُحِلُّ حَرامَها.. مِنَ النَّاسِ، إِلَّا اللَّوْذَعِيُّ الحُلاحِل
يَعْنِي النَّبِيَّ، صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أُحِلَّتْ لَهُ مَكةُ سَاعَةً مِنْ نَهار، ثُمَّ هِيَ حَرَامٌ إِلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَ: واضطرَّ الشَّاعِرُ إِلى تَسْكِينِ الرَّاءِ مِنْ عَرَبة، فَسَكَّنَهَا، وأَنشد قَوْلَ الْآخَرِ:
ورُجَّتْ باحةُ العَرَباتِ رَجًّا، ... تَرَقْرَقُ، فِي مَناكِبها، الدماءُ
قَالَ: وأَقامتْ قُرَيْشٌ بعَرَبَةَ فَتَنَخَّتْ بِهَا، وانتَشَرَ سَائِرُ الْعَرَبِ فِي جَزِيرَتِهَا، فنُسِبوا كلُّهم إِلى عَرَبةَ، لأَنَّ أَباهم إسماعيلَ، صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِهَا نَشأَ، ورَبَلَ أَولادُه فِيهَا، فَكَثُروا، فَلَمَّا لَمْ تَحْتَملهم البلادُ، انْتَشَرُوا وأَقامت قُرَيْشٌ بِهَا.