الاثنين، 16 فبراير 2015

الفِكْرُ والتَّفكُّر




الفِكْرُ والتَّفكُّر
الحمد لله الذي كرّم عباده بالفكر وحملهم في البرّ والبحر ثم الصّلاة والسّلام على أفضل البشر محمّد وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بالأثر أما بعد:
فإن التّفكر من صفات أولي الألباب قال سبحانه:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)
وقد عدّ السّلف التّفكر من أفضل العبادات
 عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ. رواه ابن سعد في الطبقات
وعَنْ عَوْنِ بنِ عَبْدِ اللهِ قال:قُلْتُ لأُمِّ الدَّرْدَاءِ: أَيُّ عِبَادَةِ أَبِي الدَّرْدَاءِ كَانَتْ أَكْثَرَ؟قَالَتْ: التَّفَكُّرُ وَالاعْتِبَارُ . رواه ابن عساكر في التاريخ
وقال مالك سمعت يحيى بن سعيد يقول أول من صلى في المسجد ما بين الظهر والعصر عبد الملك بن مروان وفتيان معه كانوا إذا صلى الإمام الظهر قاموا فصلوا إلى العصر فقيل لسعيد بن المسيب لو قمنا فصلينا كما يصلي هؤلاء فقال سعيد بن المسيب ليست العبادة بكثرة الصلاة ولا الصوم إنما العبادة التفكر في أمر الله والورع عن محارم الله. رواه ابن سعد في الطبقات  وابن عساكر في التاريخ
والتّفكر هو: الفِكْرُ والتأمل والتّدبّر،ومعناه : استعمال العقل في الفَهم بضابط الشّرع،فإن لم يضبط بالشّرع انحرف وسُلب صفة التّفكر والفِكر أو قرن بما يلائمه والسًّلب أدب مع الله؛ذلك أن الله جل وعلا نفى عن الذين لم يستعلموا عقولهم التي وهبها لهم كما أمرهم  صفة العقل قال سبحانه: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ
والفكر إن لم يضبط بالشّرع قد يقود إلى الكفر
عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا، مَنْ خَلَقَ كَذَا، حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ " رواه البخاري (3276) ومسلم (214)
بل إن أحد أسباب دخول النّار هو عدم ضبط العقل بالشرع قال سبحانه عن أهل النار:﴿ وَقَالُوا لَو كُنَّا نسْمع أَو نعقل مَا كُنَّا فِي أَصْحَاب السعير
وليس معنى كلامهم أنّ الله لم يخلق لهم عقلا لا؛ بل معناه أنهم لم يعقلوا بعقولهم  كما أراد ربهم جلّ وعلا فسلبوا صفة العقل كما قدمت لك أولا .
وقد  شُوِّه مفهوم  الفكر والتّفكير في هذا الزمن حتّى تسلّقه كلّ كسيح وادّعاه كلّ مفلس، والمصيبة الأعظم من ذلك افتتان كثير من العامّة بهؤلاء المفكّرين الرّويبضات المدّعين  حتى إنّ كثيرا من النّاس  صار يقدّم تفكيرهم على شرع الله جلّ وعلا، وأشخاصهم على أئمة الدّين، وأهل العلم.
والواقع يشهد على أنّ أكثر هؤلاء المفكّرين رويبضات ومدّعين
حتى إنّ بعضهم أقرّ على نفسه أنه لا يحسن الصّلاة فكيف يكون من لا يحسن الصّلاة مفكرا عن الأمة. إن لله وإن إليه راجعون.
 وهذه ليست دعوة للتّطاول على أهل الفكر، ولا دعوة إلى الجمود وركن العقول على الرّفوف وإنما هي دعوة لتنقيح الفكر وتهذيبه بالشرع ، لأنه إن فعلنا ذلك نطقنا بالعزائم ورأينا العجائب 
 عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ؛ قَالَ: إِنَّ الْحُكَمَاءَ ضَرَبُوا التَّفَكُّرَ بِالتَّذَكُّرِ، وَالتَّذَكُّرَ بِالتَّفَكُّرِ؛ حَتَّى نَطَقُوا بِالْعَزَائِمِ وَرَأَوُا الْعَجَائِبَ. رواه الدينوري في المجالسة
وللشّيخ العلّامة صالح آل الشيخ كلام يعتبر مرجعا في هذا الباب وهو على هذا الرّابط http://saleh.af.org.sa/node/48  لمن أراد الإفادة منه

والحمد لله رب العالمين
وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)






الجمعة، 13 فبراير 2015

" شأن الدعاء "





" شأن(1) الدعاء "
الحمد لله  الذي بنعمته تتم الصالحات، ثم الصّلاة والسَّلام على خير من دعا الله حيًّا وبعد الممات ؛ محمد  وعلى آله وأصحابه ما دامت الأرض والسَّموات.  
أما بعدُ:    
  اعلموا أن الله لم يخلقنا عبثًا ولم يتركنا هملا قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) [ سورة الذريات]
 والعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال، والأعمال الظاهرة، والباطنة؛ ورأس العبادة الدعاء.
عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ» ، ثُمَّ تَلَا ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمُ [غافر: ٦٠] الْآيَةَ. رواه أبوداود (١479) وغيره وصحَّحه الألباني.
ولولا الدّعاءُ ماعبأ الله بعباده قال سبحانه: ﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا[سورة الفرقان] 
أي: ما يفعل بكم أو يصنع بكم لولا دعاؤكم .
   وقد توعَّد سبحانه الذين لا يدعونه بدخول جهنم داخرين قال جل في علاه:
﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠) ﴾ [ سورة غافر]
عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر: ٦٠] قَالُوا: لَوْ عَلِمْنَا أَيُّ عُبَادَةٍ هِيَ؟ قَالَ: فَنَزَلَتْ ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ [البقرة: ١٨٦] الْآيَةَ الطبراني في الدعاء
 والدعاء الذي أمرنا الله به ليس فقط أن يرفع العبد يديه إلى السماء يسأل ربه ما يشاء، لا وإنما الدعاء أيضا فعل الطاعات، فالصلاة دعاء والزكاة دعاء والحج دعاء والتوحيد قبل ذلك دعاء ، وترك المعاصي دعاء، والثناء على الله جل وعلا كلّه دعاء.

عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال سمعت رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقول: « أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله » رواه الترمذي وحسذنه الألباني
قيل لسفيان بن عيينة: كيف جعلها يعني:( الحمد لله ) دعاءً؟ قال: أما سمعت قول أمية بن الصلت لعبد الله بن جدعان يرجو نائله:
أأذكر حاجتي , أم قد كفاني ─═☆☆ حياؤك؟ إن شيمتك الحياء
إذا أثنى عليك المرء يوما ─═☆☆ كفاه من تعرضه الثناء
قال ابن القيم: فهذا مخلوق واكتفى من مخلوق بالثناء عليه من سؤاله، فكيف برب العالمين؟ مدارج السالكين (٢ / ٤٥٢ و ٤٥٣)
وعن الأشجعي قال: قيل لسفيان: ادع الله، قال: "إن ترك الذنوب هو الدعاء"⦆.
  والحمد لله رب العالمين
______________________________

(1) لسان العرب: الشَّأْنُ: الخَطْبُ والأَمْرُ والحال، وجمعه شُؤونٌ وشِئانٌ؛ عن ابن جني عن أَبي علي الفارسي. وفي التنزيل العزيز: كلَّ يوم هو في شأْن

                                

السبت، 7 فبراير 2015

الصَّالحُ





                            الصَّالحُ

 الحمد لله الذي علَّم وفهَّم حمدا كثيرا لما والى وأنعم وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد:
فقد كان الصَّلاح ولازال من أعظم ما سعى إلى تحصيله الأفاضل لعظيم ما فيه من الفضائل وحسبك من ذلك أنَّ من نال هذه المنزلة كانت الجنة منزله
والصلاح ليس شيئا يُقال أو يُدَّعى وإنما هو صفات وسمات يجمعها قول الله جل وعلا: 
 ﴿ لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ [ سورة آل عمران]
قال ابن جرير: "الصالح" من بني آدم: هو المؤدي حقوق الله عليه.
 وقال شَيخ الإسلام: الصَّالِحُ هُوَ الْقَائِمُ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ . وقال أبو إسحاق الزَّجَّاج: الصَّالح الذي يؤَدي إِلى اللَّه ما عليه ويؤَدي إلى الناس حقوقهم.
والصالح بهذا المعنى هو المقصود في الآيات والأحاديث التي نصّت على فضل الصّلاح ومآل الصَّالحين ،و من اشتهرت معصيته فليس بصالح وإن كان مطيعا لله جل وعلا بل ذلك دون الصالح : قالت الجن ﴿ وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا قال شيخ الإسلام : وَدُونَ الصَّالِحِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَاصِيًا فِي بَعْضِ مَا أُمِرَ بِهِ وَهُوَ قِسْمٌ غَيْرُ الْكَافِرِ فَإِنَّ الْكَافِرَ لَا يُوصَفُ بِمِثْلِ ذَلِكَ. انتهى
وللناس في الصلاح والوصف بالصالح مذاهب ومشارب وأكثر النّاس على أن الصّالح من وافقهم في منهجهم وطريقتهم فالصّالح عند الجهمية من كان جهميا والصّالح عند الأشاعرة من كان أشعريا والصّالح عند المرجئة من كان مرجئا والصّالح عند الإخوان من كان إخوانيا وهكذا ....
والصحيح الذي لا ريب فيه أن الصالح هو: المطيع للأمر المتبع للأثر  


                                   والحمد لله رب العالمين